أبو نصر الفارابي
35
الجمع بين رأيي الحكيمين
ويقابل درجات التجريد الثلاث علوم ثلاثة : العلم الطبيعي للمجردات التي من الدرجة الأولى ، والعلم الرياضي للتي من الدرجة الثانية ، وعلم ما بعد الطبيعة للتي من الدرجة الثالثة . وهذه العلوم الثلاثة تؤلف ، ما يسميه أرسطو ، العلم النظري ، اي العلم الذي غرضه مجرد المعرفة . ويقابله العلم العملي وهو العلم الذي ترمي المعرفة فيه إلى تدبير افعال الانسان ، وله قسمان : القسم الأول يدبر افعال الانسان من حيث هو انسان في نفسه وفي الأسرة وفي المجتمع : فينقسم إلى الاخلاق وتدبير المنزل والسياسة . والقسم الثاني الفن ، يدبر افعال الانسان بالنسبة إلى موضوعات يؤلفها ويصنعها ، وينقسم بحسب الموضوعات التي يتناولها ؛ وهذه تزيد وتنقص تبعا لتقدم الحضارة . فمن المعلوم ان عندنا الآن من الفنون ما لم يكن عند الأقدمين ، وربما كان للأقدمين فنون نجهلها الآن . الاخلاق الانسان في جميع افعاله يقصد إلى الخير ، سواء أكان هذا الخير حقيقيا كالفضيلة أم ظاهريا كاللذة . فما هو خير الانسان الذي يجب ان نختاره ؟ أو ما هي الغاية التي يجب ان نسعى لادراكها ؟ يذهب الناس كافة إلى أن الخير الذي ما نزال نطلبه والغاية التي ما نزال ننشدها انما هي السعادة ، وان الانسان مهما يفعل فإنما هو يفعل لينال السعادة . ولكنهم يختلفون في فهم السعادة : فبعضهم يظنها في اللذة ، وبعضهم في الشرف ، وبعضهم في الحكمة . فلننظر في هذه الخيرات الثلاثة . اما اللذة ، فظاهرة نفسية أصلها ان للانسان قوى تتطلب العمل وان لكل منها موضوعا تتجه اليه طبعا ، فإذا ما عملت نتجت لذة . فليست اللذة غاية في الأصل ، ونحن أول ما اكلنا أو شربنا لم نفعل ذلك ابتغاء اللذة ، بل ابتغاء سد الرمق ، وكل من يأكل لأجل الأكل يرتكب شططا ويجرّ على نفسه ضررا . واذن فليست اللذة شيئا متمايزا من الفعل ، ولكنها ظاهرة مصاحبة للفعل ، تضاف اليه كالنضارة إلى الشباب . فقيمتها تابعة لقيمة القوة والفعل والموضوع . ولا شك ان قوانا وافعالها وموضوعاتها تتفاوت ، فليس الحس كالعقل ، وليس المال كالفضيلة . فلا يجوز القول بالاطلاق ان اللذة حسنة أو انها رديئة . ولكن الافعال هي التي توصف أولا بالحسن أو بالرداءة وبالخير أو بالشر . والمشاهد ان اللذة ان طلبت لذاتها ألحقت الشخص ضررا بليغا ، واذن فليست هي السعادة ، وليست هي غايتنا في الحياة .